الأمن في القرآن الكريم - الثلاثاء-01-08-1439هـ بمدينة بريدة.


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

لتعلموا أولا أنني قادم من سفر، وما تهيأت للقاء، ولا لإلقاء كلمة ولكن نزولا على رغبة صاحب السمو الأمير حفظه الله، ورغبة القائمين على جمعية تحفيظ القرآن الكريم؛ فإنني أقدم ما أستطيع وما تيسر، وتعذرونني عما لا أستطيعه أو ما يغيب عنِّي في هذه الجلسة.

أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

ونشكر الله سبحانه ثم نشكر لصاحب السمو الأمير في حضوره وتشجيعه، ونشكر كل من سعى في هذا الاجتماع وهيأ له، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

لا شك أيها الإخوة أن الأمن له أهمية عظيمة في حياة الأمم، ولهذا اهتم به القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، اهتم به أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعائه لما دعا لمكة والبيت الحرام، فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وقال عليه الصلاة والسلام:( رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ). والله جل وعلا امتن على قريش بأن رزقهم الأمن، وامتن عليهم بأن رزقهم الطعام والشراب وما يحتاجون إليه، قال سبحانه وتعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ سورة قريش(1-4).

 

فالأمن مطلب عظيم، والله جل وعلا بسطه على أهل مكة حول الحرم، حول الكعبة المشرفة، وذلك ليأمن من قدم إلى هذا البيت حاجا أو معتمرا أو معتكفا، وليؤدي عباداته في هذا الحرم آمنا مطمئنا، والله جل وعلا قال:(سواء العاكف فيه) يعني المقيم فيه، (والباد)، وهو القادم عليه، (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فالله جل وعلا امتن على أهل هذا البيت الحرام ومن حوله بأن بسط لهم الأمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه في المسجد الحرام ولا يتعرض له بالسوء حتى يخرج من حدود الحرم وهو كافر يحترم هذا الحرم، فلا يهيج قاتل أبيه مع حرصه على التمكن منه، ولكنه يحترم المكان ويحترم حرم الله، ويحترم ما حرم الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)، كانوا يرحلون للتجارة في الشتاء إلى جهة اليمن، وفي الصيف يرحلون إلى جهة الشام، (رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)، فهاتان الرحلتان في الشتاء والصيف امتن الله بهما على قريش ليجلبوا الأرزاق وليوفروا الأرزاق لساكني هذا الحرم، فهذا يدل على عظمة هذا البيت وعظمة هذا الحرم، قال تعالى: (ومن دخله كان آمنًا)، قال العلماء: معنى الآية: أمِّنُوه، هذا أمر بأن يؤمن من دخل الحرم، فالأمن هو مطلب الأمم والشعوب، ولكن الأمن لا يتوفر على الوجه المطلوب إلا مع توحيد الله وإفراده بالعبادة، (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)، فالأمن مقرون بعبادة الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، وهذا هو الأمن المطلق، لأن الأمن على قسمين: أمن مطلق، ومطلق أمن، فالأمن المطلق هو الذي لا خوف معه، ومطلق الأمن قد يكون معه خوف، والله من على البلد الحرام وأهله بالأمن المطلق الذي ليس معه خوف،  واليوم ولله الحمد هذا الحرم الآمن جعل الله القيام على ولايته وعلى صيانته لهذه الدولة المباركة، الدولة السعودية التي من الله عليها بأن ولاها شؤون هذا الحرم العظيم، وفتح لها باب الرزق بحيث لا تحتاج إلى من يساعدها، أنبع الله عندها البترول، لتستعين به على مصالح هذا الحرم وتأمينه، فهذا من آيات الله عزوجل، أن الله من على هذه الدولة بأن أغناها وأعطاها بحيث لا تحتاج إلى غيرها، وهذه الدولة تنفق هذا المال بسخاء على حماية هذا الحرم وعلى تأمين من دخله،  وعلى تأمين الطعام والشراب لهم، وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون، فالحمد لله على فضله وإحسانه، بلادنا والحمد لله تحت ظل هذه الدولة المباركة، وهذه العقيدة عقيدة التوحيد والدعوة إلى الله، نعم عظيمة نعيشها ولله الحمد يبقى أن نشكر الله عليها، والشكر ليس بأن تقول الحمد لله والشكر لله فقط، الشكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، ويكون بالعمل، هذه أركان الشكر، الشكر باللسان أن تحمد الله، والشكر بالقلب أن تعترف أن هذه النعمة من الله لا بحولك ولا بقوتك، والركن الثالث: أن تصرف هذه النعمة التي أعطاك الله في طاعة الله وما يرضي الله عز وجل، فهذه أركان الشكر، والله جل وعلا من علينا منة عظيمة بين سائر العالم؛ حيث جعل ولاية هذا البيت العتيق وهذا الحرم الشريف من مسؤوليتنا،  فهذا شرف لنا يجب أن نشكر الله عليه وأن نحمد الله عليه، وأن نسعى بكل جهد وبكل طاقة بتأمينه وتأمين من يدخله ومن يأتي إليه من سائر أقطار الدنيا،  فإن هذه نعمة ومنحة من الله عز وجل مكننا الله منها، وولانا القيام بها، فعلينا أن نشعر بهذه المسؤولية العظيمة، وأن نعرف قدرها، وأن نكون عونا لمن يأتي إلى هذا الحرم حاجا أو معتمرا أو معتكفا على مهمته حتى يرجع إلى أهله، قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ  ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ). فالحمد لله هذه منة عظيمة منحنا الله إياها، وكلفنا بها، وحملنا مسؤوليتها، فعلينا أن نحمل هذه الأمانة العظيمة، وأن نؤديها على الوجه المطلوب، وأن نشكر الله على هذه النعمة التي يخصنا الله بها من بين سائر أهل الأرض وهي رعاية من يأتي إلى هذا البيت العتيق من حين يقدم إلى أن يخرج إلى أهله ونحن نؤمنه، ونحن نسعى في خدمته، ونحن نوفر له الطعام والشراب، ونحن نقوم بمصالحه هذه نعمة عظيمة، ومنحة كريمة من الله سبحانه وتعالى، فنحن والحمد لله في هذه البلاد وهذه الدولة المباركة، والأعظم من ذلك تحكيم الشريعة التي أمر الله بها، (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، فالله جل وعلا أمرنا أن نحكم بين الناس: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ). كل هذا والحمد لله متوفر لدينا: الأرزاق، والنعم، وهذا الحرم الشريف قريب منا، ونحن محملون مسؤوليته، ومحملون خدمة من يأتي إليه ومن يفد إليه ومن وراء ذلك الأجر العظيم والتمكين في الأرض: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (40-41) سورة الحج، فنسأل الله عز وجل أن يتم هذه النعمة وأن يبقيها علينا، وأن يعيننا على ذكرها وشكرها، والشكر له ثلاثة أركان: التحدث بها ظاهرا، والاعتراف بها باطنا، وصرفها في طاعة مسديها وموليها، هذه أركان الشكر، لا يكون الشكر باللسان فقط، بل لا بد من هذه الأمور في الشكر لله عز وجل، فنحن في نعمة عظيمة ومسؤولية كبيرة، ونحن والحمد لله نمتاز على غيرنا من سائر أهل الأرض بهذه النعمة العظيمة: أن الله جل وعلا جعلنا نخدم الحجاج والمعتمرين والقادمين إلى هذا البيت العتيق بما يحتاجون إليه، والله جل وعلا أمد هذه البلاد بنعمة عظيمة بنعمة التوحيد فلا تجد في هذه البلاد صنما يعبد، ولا تجد فيها قبرا يدعى من دون الله، ولا تجد في هذه البلاد مظهرا من مظاهر الشرك، حماها الله وطهرها بدعوة الشيخ الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله-، كانت هذه البلاد قبل دعوة الشيخ متفرقة متشتتة، كل قرية تحكم نفسها ولا تخضع للقرية المجاورة، فهم دول كثيرة صغيرة متجاورة في هذه البلاد، فلما جاء الله بهذه الدعوة المباركة واستجاب لها أهل هذه البلاد قاموا بها وحموها ملكوا كل البلاد، كلها تحت سلطتهم، كل ما يحوطه اسم هذه البلاد فهو تحت هذه الدولة المباركة، بدل أن كانت كل قرية تحكم بنفسها، حتى قال صاحب التاريخ: إن هناك بلدة في نجد فيها أربعة حكام يسمونها المربعة، فيها أربعة أمراء، قرية واحدة، فيها أربعة أمراء، فلما جاء الله بهذه الدعوة ودخل فيها أهل هذه البلاد وحملوها وحموها فإن الله مكنهم من كل قرية ومن كل مدينة ومن كل بر وبحر ومكنهم الله عز وجل في هذه الدولة وهذه الدعوة وتحكيم الشريعة، تحكيم الشريعة بين الناس كل هذه أسباب لهذه النعمة التي نعيشها، فعلينا أن نتمسك بهذه النعمة، وأن نسأل الله الثبات عليها، وألا نسمح بدخول الأفكار الوافدة والضالة إلى بلادنا وإلى أبنائنا وإلى سكان هذه البلاد، لا نسمح لأفكار ضالة، لأفكار منحرفة أن تقدم إلينا، وأن تعيش في رؤوس أولادنا وإخواننا، علينا أن نحفظ هذه النعمة، وأن نداوم عليها، وأن نشكرها، فليس بعد هذه النعمة نعمة تذكر، كل النعم تتلاشى بعد نعمة التوحيد ونعمة تحكيم الشريعة، فهذه كلها والحمد لله أسباب: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا  يَعْبُدُونَنِي) بهذا الشرط  (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا  وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، نسأل الله أن يثبتنا على هذه النعمة وأن يمدنا بنصره وتوفيقه وإعانته، وأن يجعلنا  من الدعاة إليه على بصيرة، وأن يجعلنا من الذين يقولون ويعملون، يقولون الحق ويعملون به، لا الذين يتكلمون ولا يعملون، ولا الذين يعملون من غير دليل، فالله جل وعلا أمرنا وكلفنا أن نقرأ في كل ركعة من صلاتنا نقرأ سورة الفاتحة وفيها: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، من هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم المذكورون في قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وهم من أعطاهم الله العلم ولم يعملوا به، وفي مقدمة هؤلاء اليهود، عندهم علم ولا يعملون به، فهم مغضوب عليهم، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، وهم الذين يعملون بدون علم، بالبدع والمحدثات وما لادليل عليه من الكتاب والسنة، وإنما يتبعون العوائد، ويتبعون ما وجدوا عليه آباءهم فهم لا يهتدون؛ لأنهم لم يطلبوا الهداية من الله سبحانه وتعالى، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر نعمه وأن يزيدنا منها، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ  وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.