تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نعمة الإيمان



الخطبة الأولى:

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلم تسليما كثيرا أما بعد

أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الإيمان نعمة من الله يمن بها على من يشاء من عباده (بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَان)، فأشكروا الله على هذه النعمة أن جعلكم مؤمنين ولكن الإيمان ليس بالدعوى الإيمان له حقيقة قال الله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، ولما سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله قولي في الإسلام قولا لا أسأل عنه غيرك قال: قل آمنت بالله ثم استقم ، يستقيم على الإيمان ولا يكتفي بالقول وذلك بأن يعتقده في قلبه ويعمل به في جوارحه ويكون الإيمان ظاهراً عليه في تصرفاته وفي أفعاله وأقواله كما هو أيضا في قلبه ونيته وعقيدته هذا هو الإيمان ولهذا قال سبحانه وتعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)، الإيمان له أركان ستة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لما سأله جبريل عليه السلام بحضرت أصحابه قال: أخبرني عن الإيمان ، قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، هذه أركان الإيمان الذي لا بد منها فإذا فقد واحد منها فالإنسان ليس بمؤمن ولو قال بلسانه إنه مؤمن أو آمنت بالله والإيمان له شعب تزيد على الستين أو السبعين ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة ، وفي رواية: بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ، وهذا الحديث يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وأنه يزيد وينقص فالإيمان له أحكام عظيمة أعلاها قول لا إله إلا الله هذا قول باللسان واعتقاد بالقلب لا بد أن يقولها بلسانه ولا بد أن يعرف معناها ويعتقده في قلبه ولا بد أن يعمل بمقتضاها وليس المراد أن يقول لا إله إلا الله بلسانه لا بد أن يعرف معناها ولا بد أن يعمل بمقتضاها حتى يكون من أهل لا إله إلا الله أما من يقولها بلسانه دون قلبه فهذا منافق في الدرك الأسفل من النار وإن كان يقول لا إله إلا الله في لسان ولهذا يقول الحسن البصري رحمه الله يقول ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال هذا هو الإيمان قول لا إله إلا الله هذا رأس الإيمان وأدناه إماطة الأذى عن الطريق طريق المسلمين هذي شعبة من شعب الإيمان فالذي يزيل الأذى والمؤذيات والمعوقات عن طريق المسلمين هذا دليل على إيمانه أما الذي يضع العراقيل والحفر والشوك والحديد ويضع أشياء تعوق السير فهذا دليل على ضعف إيمانه أو على عدم إيمانه فطريق المسلمين لا بد أن يهيأ ولا بد أن يكف الأذى عنه حتى يسلكه الناس والدواب لأنه طريق لا يجوز أن يلقى فيه ما يعوق السائرين ولهذا عدّ النبي صلى الله عليه وسلم من الملاعن التي يلعن عليها قضاء الحاجة في الطريق بأن يتبول في الطريق أو يتغوط في الطريق فهذا ملعون بنص الحديث وكذلك في الوقت الحاضر أصحاب السيارات الذين يوقفون سياراتهم في الطريق ويعوقون المارة أو يوقفونها في الشوارع التي يمر الناس منها والسكك والأسواق يعوقون السير فهؤلاء ليس عندهم إيمان على المطلوب عندهم إيمان ضعيف ولكن ليس عندهم إيمان كامل وضع العراقيل في الطريق يدل على نقص الإيمان في القلب وقد يدل على زوال الإيمان بالكلية فلا بد أن تهيأ الطرقات وكذلك أصحاب السيارات الذين يسرعون سرعة زائدة عن المطلوب يعرضون أنفسهم ويعرضون غيرهم بالخطر والموت يتحملون في ذلك آثامًا عظيمة ويروعون المسلمين وكذلك الذين يقطعون الإشارات المجعولة لأجل ضبط السير وتأمين الخطر هؤلاء أيضا مخالفون لما يقتضيه الإيمان من حفظ دماء المسلمين وحفظ مصالح المسلمين كل هذا يدل على ضعف إيمانهم أو على عدم إيمانهم فالإيمان يظهر في تصرفات الإنسان على لسانه وعلى جوارحه وتصرفاته هذا هو المؤمن إزالة الأذى عن الطريق وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يتقلب في الجنة أو سئل هذا الرجل في الجنة ما سبب دخولك الجنة قال شوك أزلته عن طريق المسلمين أو شجرة أزلتها عن طريق المسلمين فدخل الجنة بذلك إذا فالذي يضع العراقيل في طرق المسلمين ويعرض المسلمين للخطر هذا معرض نفسه للنار والعياذ بالله ومعرض نفسه لدعوات المسلمين ولو مات ناس بسببه أو ناس لسببه كان متحملا لدمائهم فليتق الله هؤلاء وليتأدبوا بآداب الطريق إماطة الأذى عن الطريق ثم قال صلى الله عليه وسلم: والحياء شعبة من الإيمان ، الحياء الذي يكف الإنسان عما لا يليق يكفه عن الأخلاق السيئة يكفه عن الكلام السيء يكفه عن التصرفات السيئة هذا هو الحياء المحمود الذي يكف الإنسان عما لا يليق فالذي لا يكف أذاه عن الناس هذا ليس فيه حياء ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ، فالذي لا يستحي يصنع ما شاء من السخافات ومن المعاصي والمنكرات لأنه ليس عنده حياء لا من الله ولا من خلقه فالحياء خصلة عظيمة من توفرت فيه فقد رزق خير كثيرا وكفته عن شر كثير فالحياء له أهمية عظيمة والنبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر في هذا الحديث أنه لا يكف الإنسان عن الأذى وعما لا يليق إلا الحياء إذا لم تستحي فاصنع ما شئت وأما الحياء الذي يمنع الإنسان من تعلم العلم ومن السؤال عما أشكل عليه من أمور دينه هذا خجل وليس حياء وهذا جبن وهذا حياء مذموم لا حياء في الدين فالحياء الذي يمنع الإنسان من الخير هذا ضعف وخور وهذا مذموم أما الحياء الذي يمنع الإنسان من الشر ومن أذى الناس ومما لا يليق فهذا هو الحياء المحمود وهو منة يمن الله بها على من يشاء من عباده وهو شعبة من شعب الإيمان فهذا حديث عظيم يدل على أن الإيمان لا يقتصر على الأركان الستة بل هو يتمدد إلى بضع وسبعين أو بضع وستين شعبة شعب كثيرة كلها من الإيمان كل أعمال الخير كلها من الإيمان وكل أعمال الشر كلها من النفاق فعلى المسلم أن يتأدب بالإيمان الذي من الله به عليه وجعله من المؤمنين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليماً كثيراً، أما بعد،

عباد الله، فإن الإيمان له صفات يتصف بها المسلم من ذلك المحبة بين المؤمنين المؤمنون إخوة كما قال الله جل وعلا فمقتضى الأخوة المحبة فيما بينهم قال صلى الله عليه وسلم: لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ، فإفشاء السلام بين المؤمنين يورث المحبة بينهم وترك السلام يحدث النفرة بينهم والإدبار بعضهم عن بعض فالسلام علامة عظيمة من علامات الإيمان إذا انتشر بين المسلمين أفشوا يعني أكثروا السلام بينكم ومما يدل على ضعف الإيمان أن يؤذي الإنسان جاره، قال صلى الله عليه وسلم والله: والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قالوا خاب وخسر يا رسول الله منه قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ، أي غدراته وآذاه هذا يدل على عدم إيمانه ولا حول ولا قوة إلا بالله وكذلك الإيمان يكف الإنسان عن الجرائم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فهذا الإيمان العظيم يكف الإنسان عن الجرائم الخطيرة التي تكون بين الإنسان وبين ربه أو بين الإنسان وبين خلقه فالإيمان نعمة عظيمة من الله عز وجل يمن بها على من يشاء من عباده ولكن ينبغي للمسلمين أن يتصفوا بهذا الإيمان في جميع أحوالهم وفي جميع تصرفاتهم وقال صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا ، فمن مقتضى الإيمان النصيحة وعدم الغش بالبيع والشراء وفي الكلام وفي المشورة قال صلى الله عليه وسلم: من حق المسلم على أخيه المسلم إذا استنصحك فأنصح له ، إذا استنصحك المسلم وشاورك تدله على الطريق الصحيح ولا تكتم عنه ذلك لأن هذا من مقتضى الإيمان فالإيمان تعامل بين الناس يتعاملون بموجب الإيمان ومقتضى الإيمان كما هو تعامل مع الله عز وجل بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة فالإيمان له ظل عظيم يستظل به المؤمنون في الدنيا والآخرة الجنة للمؤمنين والنار للكافرين كما أخبر الله سبحانه وتعالى فالإيمان هو حصن المؤمن في الدنيا وفي الآخرة في الدنيا حصنه من الأخلاق السيئة والأعمال القبيحة وفي الآخرة حصنه من النار ودخوله في الجنة نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للإيمان وأن يمن علينا وعليكم بالإيمان وأن يثبتنا وإياكم على الإيمان وأن يتوفانا وإياكم على الإيمان وأن يلحقنا بالمؤمنين الصالحين.

وعلموا أنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهديَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكُلَ بدعةٍ ضلالة.

وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةَ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وجعل هذا البلد آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن فجاءة نقمتك، ومن تحول عافيتك، ومن جميع سخطك،  اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا، وجعلهم هداة مهددين غير ضالين ولا مضلين، اللَّهُمَّ أصلح بطانتهم، وأبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين، اللَّهُمَّ أجمع كلمة المسلمين على الدين، وكفهم شر أعدائهم يا رب العالمين، اللَّهُمَّ أكفنا شر أعدائنا من الكفار والمشركين والمنافقين، اللَّهُمَّ ولي علينا خيارنا، وكفنا شر شرارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا ما لا يخافك ولا يرحمنا، وجعل ولينا فيمن خافك وتقاك وتبع رضاك يا رب العالمين، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). 

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.