Skip to main content

العقيدة الطحاوية 23-03-1439هـ


التاريخ:23 /3/1439 هـ

من قول المؤلف: "قَوْلُهُ: (وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُصْطَفَى، وَنَبِيُّهُ الْمُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضَى)"

إلى قول المؤلف: "وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ"

قال المؤلف:

"قَوْلُهُ: (وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُصْطَفَى، وَنَبِيُّهُ الْمُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضَى)" بعد أن ذكر الإمام أبو جعفر الطحاوي شهادة إلا إله إلا الله وما جاء في بيانها ذكر بعدها (وأن محمداً رسول الله) يعني: وشهادة أن محمداً رسول الله؛ فهما شهادتان لا بد منهما لا تغني إحداهما عن الأخرى؛ والمصطفى معناه المختار وكذلك المجتبى، ورسوله المرتضي الذي رضيه الله ورضيه المسلمين، وتقول: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً رسولاً. "الِاصْطِفَاءُ وَالِاجْتِبَاءُ وَالِارْتِضَاءُ: مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى." ولكنها ألفاظ تؤكد بعضها بعضاً، "وَاعْلَمْ أَنَّ كَمَالَ الْمَخْلُوقِ فِي تَحْقِيقِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَحْقِيقًا لِلْعُبُودِيَّةِ ازْدَادَ كَمَالُهُ وَعَلَتْ دَرَجَتُهُ" كمال المحلوق في تحقيق عبوديته لله؛ فعبوديته شرفاً له ورفعة له، ولذلك وصف الله محمداً بأنه عبده: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وكذلك كل من عبد الله فإنه ينال هذا الشرف، وأما العبودية لغير الله فهي ذلة ومهانة وليست شرفاً؛ إنما الشرف عبودية الله، وكلما ازداد العبد في عبودية الله ازداد كماله ورفعته عند الله. "وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَخْرُجُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا أَكْمَلُ، فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَضَلِّهِمْ" وهذا عند الصوفية، عندهم أن المخلوق يبلغ درجة يخرج فيها عن عبودية الله، وهذا غاية الكذب والافتراء والزور؛ فإنه لا يخرج أحد من عبودية الله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ۝ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 93-94] فكل الخلق عباد الله، المؤمنون والكفار، والعرب والعجم، والجن والإنس؛ ومنهم من عبوديتهم عبودية التشريف والكمال وهم المؤمنون، ومنهم من عبوديته قهرية بلا تشريف وهم الكفار؛ ومن يزعم أنه يبلغ حداً يخرج به عن عبودية الله هذا ملحد وإن كان يزعم أنه ولي لله كالصوفية ومن على شاكلتهم؛ لأن الله وصف رسوله بأنه عبد في أشرف المقامات "قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ." بل الملائكة عباد لله ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 172] وهم مكرمون أكرمهم الله تعالى بطاعته وبالقرب منه وأسكنهم سمواته – سبحانه وتعالى.

"وَذَكَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِ الْعَبْدِ فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ، فَقَالَ فِي ذِكْرِ الْإِسْرَاءِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23]" كل هذا يراد به محمداً ﷺ وصفه الله بالعبودية تشريفاً له، فهو عبد الله ورسوله؛ كما قال ﷺ: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، أنا عبد الله ورسوله." فصفه الله في مقام الوحي والتنزيه تشريفاً له؛ "وَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ عَلَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِذَلِكَ "يَقُولُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا طَلَبُوا مِنْهُ الشَّفَاعَةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ." فَحَصَلَتْ لَهُ تِلْكَ الْمَرْتَبَةُ بِتَكْمِيلِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى." استحق التقديم على الناس؛ لأن الله أضافه إلى نفسه: (عبدنا)؛ ويطول على الناس الموقف يوم القيامة ويشق عليهم الزحام والعرق والشمس تدنو منهم، وهم واقفون خمسين ألف سنة، فيبحثون عمن يشفع لهم عند الله أن يريحهم من هذا الموقف، فانتهوا إلى النبي ﷺ يقولون: ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا عند ربك يريحنا من هذا الموقف، فيقول ﷺ: أنا لها، فيخر ساجداً بين يدي ربه يدعوه حتى يقال: يا محمد! ارفع رأسك واشفع تشفع! فيرفع النبي ﷺ راسه ويدعو أن يريح الناس من الموقف بعد أن استأذن الله، فأذن الله له؛ لأن الله لا يأذن أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه؛ وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي ذكر في القرآن. "وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ مُحَمَّدًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ. لِأَنَّ الْكُلَّ مَعْمُولُ الْقَوْلِ، أَعْنِي: قَوْلَهُ (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ)"

"وَالطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، تَقْرِيرُ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْمُعْجِزَاتِ، لَكِنْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَعْرِفُ نُبُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا بِالْمُعْجِزَاتِ، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِطُرُقٍ مُضْطَرِبَةٍ، وَالْتَزَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنْكَارَ خَرْقِ الْعَادَاتِ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى أَنْكَرُوا كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالسِّحْرِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ." أهل الكلام هم أهل علم المنطق وهم علم يوناني مذموم أغنانا الله عنه – سبحانه وتعالى – بالكتاب والسنة؛ وعلماء الكلام والمنطق يقولون: لا يكون نبياً إلا ومعه معجزة؛ نعم، المعجزات هي من البينات الدالة على نبوتهم، ولكن ليست النبوة مقصورة على إثباتها بالمعجزات؛ فمن دلائل النبوة: أن النبي يأتي بما جاء به من كان قبله ولا يخرج عن سيرة الأنبياء، النبوة لها أدلى كثيرة وللبيهقي كتاب اسنه (دلائل النبوة)؛ والخوارق للعادات منها ما هو مباح ومنها ما هو محرم كالسحر، اما الخوارق للعادات التي من أدلة الحق؛ فإن خوارق للعادات إن كانت على يد نبي فهي معجزة، وإن كانت على يد ولي فهي كرامة، وإن كانت على يد شياطين أو سحرة فهي ليست كرامة، فإنما هي إضلال وطريق قبيح "وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مَحْصُورٍ فِي الْمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ إِنَّمَا يَدَّعِيهَا أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ أَوْ أَكْذَبُ الْكَاذِبِينَ، وَلَا يَلْتَبِسُ هَذَا بِهَذَا إِلَّا عَلَى أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ." هناك متنبئون ادعوا النبوة فأبطل الله دعواهم وفضحهم، قال رسول الله ﷺ: "سيظهرون بعد دجالون كذابون ثلاثون كل يدعي أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي." فلا نبي بعد محمد، وأما عيسى – عليه السلام - سينزل آخر الزمان ولكنه سيكون تابعاً لمحمد ويحكم بشريعته، والكذابون سيظهر كذبهم فضحهم الله وقطع دابرهم؛ وأما رسولنا أثره باق ويزداد وضوحاً وكمالاً "بَلْ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِمَا تُعْرِبُ عَنْهُمَا، وَتُعَرِّفُ بِهِمَا، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيمَا دُونَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ؟ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالْخَبَرِ" الصادق والكاذب يظهر حتى في غير النبوة؛ لأن الكذب لا يستمر، وأما الصادق كلما يتأخر يزيد صدقاً ووضوحاً؛ فلا يلتبس النبي بالكاذب.

"وَمَا مِنْ أَحَدٍ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مِنَ الْكَذَّابِينَ إِلَّا وَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَاسْتِحْوَاذِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِ - مَا ظَهَرَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ." يكفيك أن الله قطع دابرهم ولم يبقى لهم أثر، ولو كانوا صادقين لم ينقطع ذكرهم وأثرهم "فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِأُمُورٍ وَيَأْمُرَهُمْ بِأُمُورٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ أُمُورًا يُبَيِّنُ بِهَا صِدْقَهُ وَالْكَاذِبُ يَظْهَرُ فِي نَفْسِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَمَا يَفْعَلُهُ مَا يَبِينُ بِهِ كَذِبُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ." راجعوا كتاب (النبوات) لابن تيمية. "وَالصَّادِقُ ضِدُّهُ. بَلْ كُلُّ شَخْصَيْنِ ادَّعَيَا أَمْرًا: أَحَدُهُمَا صَادِقٌ وَالْآخَرُ كَاذِبٌ - لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ صِدْقُ هَذَا وَكَذِبُ هَذَا وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ، إِذِ الصِّدْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبِرِّ، وَالْكَذِبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفُجُورِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا." يعني: يفضحه الله – سبحانه وتعالى.

"وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ۝ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ۝ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ۝ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۝ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 221 - 226]" فالصادق يتنزل عليه الملائكة والكاذب يتنزل عليه الشياطين، هذا من الفوائد. الكهان يتلقون عن الشياطين والرسل يتلقون عن الملائكة وجبريل – عليه السلام – أمين الوحي؛ والشعراء يتبعهم الغاوون – والغاوي ضد الراشد – أن الشعر في الغالب لا يخلو من الكذب والمبالغات لكن الله استثنى من الشعراء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] الشاعر يأتيه الشيطان، ويصوف أموراً عجيباً كأنه طاف الدنيا وما تعد بيته. "فَالْكُهَّانُ وَنَحْوُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَحْيَانًا يُخْبِرُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ، وَيَكُونُ صِدْقًا - فَمَعَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي يُخْبِرُونَ بِهِ لَيْسَ عَنْ مَلَكٍ، وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّادٍ: "قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا" فَقَالَ: هُوَ الدُّخُّ - قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ يَعْنِي: إِنَّمَا أَنْتَ كَاهِنٌ." وَقَدْ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. وَقَالَ: "أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، وَذَلِكَ هُوَ عَرْشُ الشَّيْطَانِ وَبَيَّنَ أَنَّ الشُّعَرَاءَ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، وَالْغَاوِي: الَّذِي يَتَّبِعُ هَوَاهُ وَشَهْوَتَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا لَهُ فِي الْعَاقِبَةِ."

فَمَنْ عَرَفَ الرَّسُولَ وَصِدْقَهُ وَوَفَاءَهُ وَمُطَابَقَةَ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ - عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاعِرٍ وَلَا كَاهِنٍ. وَالنَّاسُ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ، حَتَّى فِي الْمُدَّعِي لِلصِّنَاعَاتِ وَالْمَقَالَاتِ، كَمَنْ يَدَّعِي الْفِلَاحَةَ وَالنِّسَاجَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَعِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْفِقْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ." كل من ادعى شيئا وهو لا يحسنه فضحه الله حتى في أمور غير أمور الدين. "وَالنُّبُوَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عُلُومٍ وَأَعْمَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ الرَّسُولُ بِهَا، وَهِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَشْرَفُ الْأَعْمَالِ. فَكَيْفَ يَشْتَبِهُ الصَّادِقُ فِيهَا بِالْكَاذِبِ؟" فمن أعظم علامات نبوة النبي ﷺ: أنه لم يخرج عن سيرة الأنبياء قبله. "وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ: قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ، كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ رِضَى الرَّجُلِ وَحُبَّهُ وَبُغْضَهُ وَفَرَحَهُ وَحُزْنَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِي نَفْسِهِ، بِأُمُورٍ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ، قَدْ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: 30] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]  وَقَدْ قِيلَ: مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ.

فَإِذَا كَانَ صِدْقُ الْمُخْبِرِ وَكَذِبُهُ يُعْلَمُ بِمَا يَقْتَرِنُ مِنَ الْقَرَائِنِ، فَكَيْفَ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَيْفَ يَخْفَى صِدْقُ هَذَا مِنْ كَذِبِهِ؟ وَكَيْفَ لَا يَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَاذِبِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ؟" يظهر الصدق من الكاذب في الأمور العادية ففي الأمور الدينية من باب أولى.

"وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الصَّادِقُ الْبَارُّ، قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَهُ الْوَحْيُ: "إِنِّي قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ: كَلَّا. وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقِرِّي الضَّيْفَ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ." فاستدلت خديجة بصفاته الحميدة وسيرته الطيبة على أن الله لا يخزيه ابداً "فَهُوَ لَمْ يَخَفْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ، فَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَإِنَّمَا خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لَهُ عَارِضُ سُوءٍ، وَهُوَ الْمَقَامُ الثَّانِي، فَذَكَرَتْ خَدِيجَةُ مَا يَنْفِي هَذَا، وَهُوَ مَا كَانَ مَجْبُولًا عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ أَنَّ مَنْ جَبَلَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ وَنَزَّهَهُ عَنِ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ: فَإِنَّهُ لَا يُخْزِيهِ.

وَكَذَلِكَ قَالَ النَّجَاشِيُّ لَمَّا اسْتَخْبَرَهُمْ عَمَّا يُخْبِرُ بِهِ وَاسْتَقْرَأَهُمُ الْقُرْآنَ فَقَرَؤُوا عَلَيْهِ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ." النجاسي كان ملكاً نصرانياً في الحبشة فلما ضايق أهل مكة أصحاب النبي ﷺ هاجروا إليه ولا يظلم عند أحد، أقرأ عليه جعفر بن أبي عبد المطلب من القرآن، فأسلم، لأنه عرف أن هذا لم ومن كلام البشر، ولما مات صلى النبي ﷺ صلاة الغائب؛ فهو تابعي لأنه آمن بالرسول ﷺ وما رآه. "وَكَذَلِكَ وَرَقَةُ ابْنُ نَوْفَلٍ، لَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا رَآهُ، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصَّرَ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ مَا يَقُولُ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا رَأَى فَقَالَ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى."

"وَكَذَلِكَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، طَلَبَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ قَدِمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ، وَأَمَرَ الْبَاقِينَ إِنْ كَذَبَ أَنْ يُكَذِّبُوهُ، فَصَارُوا بِسُكُوتِهِمْ مُوَافِقِينَ لَهُ فِي الْأَخْبَارِ، سَأَلَهُمْ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَقَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: لَا، وَسَأَلَهُمْ: أَهْوَ ذُو نَسَبٍ فِيكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَقَالُوا: لَا، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْهِ كَذِبًا، وَسَأَلَهُمْ: هَلِ اتَّبَعَهُ ضُعَفَاءُ النَّاسِ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَذَكَرُوا أَنَّ الضُّعَفَاءَ اتَّبَعُوهُ؟ وَسَأَلَهُمْ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سُخْطَةً لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَقَالُوا: لَا، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ؟ فَقَالُوا: يُدَالُ عَلَيْنَا مَرَّةً وَنُدَالُ عَلَيْهِ أُخْرَى، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَسَأَلَهُمْ: بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.

وَهَذِهِ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ مَسَائِلَ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ مَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَقَالَ: سَأَلْتُكُمْ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَقُلْتُمْ: لَا، قُلْتُ: لَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكُمْ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِيكُمْ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَقُلْتُمْ: لَا، فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ لَقُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكُمْ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَقُلْتُمْ: لَا، فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكُمْ أَضُعَفَاءُ النَّاسِ يَتْبَعُونَهُ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتُمْ: ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، يَعْنِي فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَسَأَلْتُكُمْ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَقُلْتُمْ، بَلْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكُمْ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سُخْطَةً لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَقُلْتُمْ: لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ، إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُةُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.

وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ عَلَامَاتِ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، فَيَرْجِعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَيَمْتَنِعَ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَالْكَذِبُ لَا يَرُوجُ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ يَنْكَشِفُ.

وَسَأَلْتُكُمْ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ فَقُلْتُمْ: إِنَّهَا دُوَلٌ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ لَهَا، قَالَ: وَسَأَلْتُكُمْ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَقُلْتُمْ: لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَهُوَ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِعَادَةِ الرُّسُلِ وَسُنَّةِ اللَّهِ فِيهِمْ أَنَّهُ تَارَةً يَنْصُرُهُمْ وَتَارَةً يَبْتَلِيهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَغْدِرُونَ - عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ عَلَامَاتُ الرُّسُلِ، وَأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ.

كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ."

وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ مَا فِي إِدَالَةِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْحِكْمَةِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 2] الْآيَاتِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى سُنَّتِهِ فِي خَلْقِهِ وَحِكْمَتِهِ الَّتِي بَهَرَتِ الْعُقُولَ.

قَالَ: وَسَأَلْتُكُمْ عَمَّا يَأْمُرُ بِهِ؟ فَذَكَرْتُمْ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَذَهَبْتُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ. وَكَانَ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ حِينَئِذٍ كَافِرٌ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بُغْضًا وَعَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي وَنَحْنُ خُرُوجٌ، لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيُعَظِّمُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ."     

 

سلسلة الفوائد الحسان من دروس الفوزان.

فوائد درس شرح العقيدة الطحاوية -23-3-1439ه.

الفائدة الأولى:

 كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله جل وعلا، فعبوديته لله شرف له، ورفعة له، ولهذا وصف الله جل وعلا محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه عبده؛ حيث قال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) الآية. فعبودية الله شرف له، وكذلك كل من عبد الله جل وعلا فإنه ينال هذا الشرف.

الفائدة الثانية:

نوه الله جل وعلا بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه عبده في عدة مواطن منها:

أ. في موطن إنزال القرآن؛ قال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من مثله).

ب. في موطن الوحي؛ قال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى).                                  

جـ. في موطن الإسراء؛ قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير). الإسراء، الآية: [1] فالعبد في الآيتين هو محمد صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثالثة:

استحق النبي صلى الله عليه وسلم التقديم على الناس كلهم؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه إضافة تشريف؛ فقال: (عبدنا)، فكلما ازداد العبد كمالا في عبودية الله ازداد كماله وعبوديته لله سبحانه وتعالى.

الفائدة الرابعة:

يزعم الصوفية أن العبد يبلغ درجة يخرج فيها عن عبودية الله سبحانه وتعالى، وهذا غاية الكذب والبهتان، فإنه لا يخرج أحد عن عبودية الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (إن كل من في السموات والأرض إلاَّ آت الرحمن عبدًا* لقد أحصاهم وعدهم عدًّا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا).

الفائدة الخامسة:

الناس في عبودية الله سبحانه وتعالى على قسمين:

القسم الأول: من عبوديته عبودية كمال وتشريف، وهؤلاء هم المؤمنون.

القسم الثاني: من عبوديته عبودية قهر؛ كالكفار والمنافقين ونحوهم.

ومن هنا نعلم أنه لا يمكن أن يخرج أحد عن عبودية الله سبحانه وتعالى.

الفائدة السادسة:

النصارى يقولون بأن عيسى ابن الله-تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-. قال تعالى:

(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون).

ومشركو العرب يقولون بأن الملائكة بنات الله-تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.

قال تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون). والولد جزء من الوالد، والله سبحانه وتعالى ليس له جزء من خلقه.

والولد شبيه بالوالد، والله سبحانه وتعالى لا شبيه له.

الفائدة السابعة:

من أبرز صفات الملائكة:

أ. أنهم عباد الله، قال تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون).

ب. أنه عباد مكرمون، قال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون). الآية. فأكرمهم الله سبحانه وتعالى بطاعته، وأكرمهم بالقرب منه، وأسكنهم سماواته.

الفائدة الثامنة:

 الأصل في همزة إنَّ أنها مكسورة الهمزة، وهي حرف توكيد ونصب، كما معلوم، قال ابن مالك في مواضع كسر همزة إنَّ:

فاكسر في الابتدا وفي بدء صلة    وحيث إن ليمين مكملة.

أو حكيت بالقول أو حلت محل   حال كزرته وإني ذو أمل.

وقد تفتح الهمزة في بعض المواضع.

الفائدة التاسعة:

المنطق اليوناني وعلم الكلام مذموم، وقد أغنانا الله عنه بالفصاحة والبلاغة، وأعلى ذلك إنزال القرآن الكريم، وأهل الكلام والمنطق يقولون بأنه لا يكون هناك نبي إلا بالمعجزات، والصحيح أن طرق إثبات النبوة كثيرة ومنها المعجزات، ولكنها ليست مقصورة على المعجزات، ومن أبرز دلائل النبوة: أن يسير النبي على طريقة الأنبياء، ولا يخرج عن طريقتهم. وفي هذا الموضوع كتاب جيد، وهو كتاب: دلائل النبوة للبيهقي.

الفائدة العاشرة:

خوارق العادات أنواع، فمنها ما هو محرم كالسحر، ومنها ما هو مباح وأدلة للحق، فإن كانت الخوارق على يد نبي فهي معجزة، وإن كانت على يد ولي فهي كرامة، وإن كانت على يد ساحر أو كاهن فهي ضلال.

الفائدة الحادية عشرة:

النبوة يدعيها أصدق الصادقين وهم الأنبياء والمرسلون، أو أكذب الكاذبين كمدعي النبوة والمتنبئين أمثال مسيلمة الكذاب، وغيره من مدعي النبوة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه سيكون بعدي كذابون، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي). حتى عيسى عليه السلام حين ينزل آخر الزمان فإنه يحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

والمتنبئون والكذابون قطع الله دابرهم، فلم يبق لهم أثر.

من أهم الكتب المؤلفة في هذا الموضوع كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

الفائدة الثانية عشرة:

كل من ادعى شيئا لا يحسنه فضحه الله سبحانه وتعالى حتى في غير أمور الدين؛ كالطب والهندسة ونحوها، فالمتطبب مثلا لا يمكن أن يكون كالطبيب، والناس يتفرسون في الشخص ويعرفون صدقه من كذبه؛ كما قيل: "ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه".

 

تمت والحمد لله.

 

الأسئلة المنتقاة من الدروس الملقاة.

أسئلة شرح العقيدة الطحاوية، يوم الإثنين: 23-3-1439هـ

 

السؤال الأول: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: ما الطريقة المثلى للدعوة إلى الله لشخص يقول نصراني، هل أذكره بالآخرة، أم أنني أذكره بالجنة والنار وما فيهما أم ما الطريقة؟

الجواب: على حسب حال الرجل وعلى حسب فهمه، خاطبه بقدر فهمه، وبحاله هل هو يحب الخير أو ما يحب الخير، فعليك بالتلطف به، ولا تأتيه بالأمور كلها دفعة واحدة، شيئا فشيئا.

 

السؤال الثاني: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: عبودية العبد لسيده فهو يسمى عبدا، هل هذه العبودية هنا جائزة؟

الجواب: عبد يعني مملوك، العبد مملوك، (وضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء). فهو مملوك، عبد يعني مملوك، والعبيد هم المماليك.

 

السؤال الثالث: فضيلة الشيخ وفقكم الله وهذا سائل يقول: ورد عن بعض الصحابة أن ابن صياد هو الدجال، فهل هذا صحيح؟

الجواب: توقعوا أنه الدجال، وسأل بعضهم الرسول هل يقتله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله".

 

السؤال الرابع: فضيلة الشيخ وفقكم الله وهذا سائل يقول: هل لي أن أختلي وأنفرد بعيدا عن الناس؛ لأجل أن أتعبد الله عز وجل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يذهب إلى جبل ثور؟

الجواب: ما وصلت الحال إلى هذا، أنت بين المسلمين والحمد لله، اعبد الله الليل والنهار، يشجعونك ويدعون لك بعد، ما أنت بحالة كون الرسول يذهب لغار حراء، ما في مسلم في ذاك الوقت.

 

السؤال الخامس: فضيلة الشيخ وفقكم الله وهذا سائل يقول: هل يستدل بالهجرة إلى أي بلد كافرة لكنها قد عرفت بالعدل وعدم الظلم يستدل لها بما فعله الصحابة بالهجرة إلى الحبشة؟

الجواب: لأن ما هنا غير الهجرة ذاك الوقت، ما هنا غير الهجرة إلى الحبشة، ولذلك لما انتشر الإسلام صار دار الهجرة المدينة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهاجروا إلى المدينة، إلى إخوانهم الأنصار لما بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، أمرهم أن يهاجروا إلى إخوانهم الأنصار في المدينة.

 

السؤال السادس: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي صلاة الغائب، هل يُصَلَّى صلاة الغائب على من صلى الناس عليه إذا كان في بلد آخر؟

الجواب: من له شأن في الإسلام كالعلماء وملوك الإسلام يصلى عليهم صلاة الغائب، إذا كان لهم شأن في نصرة الإسلام والدعوة إلى الإسلام.

 

السؤال السابع: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: جاء عن حذيفة رضي الله عنه أنه سئل: متى يعلم المرء أنه فتن؟ فقال: إن كان ما يراه بالأمس حراما أصبح اليوم حلالا فليعلم أنه فتن، هل هذا خاص بالأمور المجمع عليها، أو هو عام حتى في الأمور الخلافية؟

الجواب: كل ما دل الدليل على أنه حرام ولو لم يحصل عليه إجماع، إذا دل عليه القرآن أو دلت عليه السنة فلا يحتاج إلى الإجماع، الإجماع يأتي بعد دلالة الكتاب ودلالة السنة، يأتي الإجماع، هو الدليل الثالث والرابع القياس.

 

السؤال الثامن: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: هل البرد الشديد القارس يكون عذرا للصلاة في البيت وعدم الذهاب إلى المسجد قياسا على المطر الشديد؟

الجواب: والله إذا كان برد شديد ولا عندك ملابس ولاسيارة تركبها تخشى على نفسك نعم هو عذر، لكن اليوم الحمد لله الملابس في الغالب كثيرة، والسيارات متوفرة تركبها إلى المسجد.

 

السؤال التاسع: فضيلة الشيخ وفقكم الله هذا سائل يقول: إذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأخبرني بحكم شرعي أو بأمر شرعي فهل لي أن آخذ به؟

الجواب: لا، الرؤيا لايؤسس عليها أحكام حلال أو حرام، ما يؤسس إلا على دليل من الكتاب والسنة والإجماع، ثم إنك لا تعرف الرسول ولا تعرف صفات الرسول المميزة، قد يأتيك الشيطان ويقول أنا الرسول ويأمرك وينهاك.

 

تمت بحمد الله.

QR code for this page URL عنوان الصفحة