تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فضل يوم عرفة وأحكامه


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ليكن حديثنا في هذه الحلقة عن يوم عرفة وما فيه من الفضائل.

فإن يوم عرفة هو اليوم التاسع من عشر ذي الحجة المباركة، وهو يوم الوقوف بعرفة للحجاج، وأداء الركن الأعظم كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" يعني أن الركن الأعظم من أركان الحج هو الوقوف بعرفة؛ لما له من الفضل والعظمة والمكانة عند الله سبحانه وتعالى، فهو يوم مبارك، قال صلى الله عليه وسلم: " خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" فالحجاج يقفون في هذا اليوم في يوم عرفة ليؤدوا الركن الأعظم من أركان الحج، وهو اليوم الذي أكمل الله به الدين، وأنزل على رسوله قوله سبحانه وتعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). وغير الحجاج يكثرون من ذكر الله بالتكبير والتسبيح والتهليل، ويصومون هذا اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: " صوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، فغير الحاج يصوم يوم عرفة، وأما الحاج فإنه لا يصوم من أجل أن يتقوَّى على الوقوف بعرفة ويتفرغ للدعاء، ولم يصم النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة، بل إنه شرب والناس ينظرون إليه على راحلته حتى يعلموا أنه ليس بصائم عليه الصلاة والسلام، فلا يستحب صيام يوم عرفة للحاج، وإنما يستحب لغير الحجاج.

الوقوف بعرفة له وقت وله مكان. أما وقته فهو يبدأ من زوال الشمس، بدخول وقت الظهر على الصحيح من قولي العلماء، يبدأ بدخول وقت الظهر ويمتد إلى طلوع الفجر ليلة العيد، فمن وقف في النهار فإنه يستمر إلى الليل، ولا ينصرف إلا إذا غربت الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه مازال واقفا بعرفة إلى أن غربت الشمس واستحكم الغروب ثم دفع إلى مزدلفة، فإن انصرف قبل الغروب يلزمه أن يعود ويبقى في عرفة إلى أن تغرب الشمس، فإن لم يعد فإنه يكون عليه فدية؛ لأنه ترك واجبا من واجبات الحج وهو الوقوف إلى الغروب، فالوقوف بعرفة ركن، وأما الوقوف إلى الغروب لمن وقف نهارا فهو واجب، فمن فاته الوقوف فاته الحج، ومن لم يقف إلى الغروب في النهار فإنه فاته واجب الاستمرار إلى غروب الشمس فيكون عليه فدية فهذا وقت الوقوف، وأما من وقف في الليل، جاء بعد غروب الشمس إلى عرفة فإنه يكفيه أي وقوف ولو قليلا، فيقف بعرفة ويدعو ثم ينصرف، ولو وقوفا يسيرا، ولو مرورا معها ناويا الوقوف، لو مرورا معها وهو محرم، حتى ولو لم يعرفها إذا كان محرما ويتحرَّى الوقوف بعرفة ويبحث عنها ومر بها وهو محرم فإنه يكون قد أدى الوقوف بمروره بها في وقت الوقوف، هذا من حيث الزمن. من حيث المكان: فإن عرفة لها حدود مبيَّنة بأعمدة مرفوعة ولوحات مكتوب عليها حدود عرفة من جميع الجهات، فعلى الحجاج أن يتأكدوا من دخولهم داخل الحدود والعلامات المنصوبة، وفي أي مكان وجدوا في عرفة فإنهم حصل لهم الوقوف، في أي مكان من أرجاء عرفة. قال صلى الله عليه وسلم: "وقفت ههنا-يعني عند الجبل والصخرات-وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة". فعرفة كلها موقف للحجاج، فلا حاجة إلى أن الحاج يذهب للجبل، ويصعد على الجبل ويكلف نفسه، ويكلف من معه من كبار السن وصغار السن والمرضى، يذهب إلى الجبل هذا لا داعي له وليس مشروعًا، وإنما في أي مكان وجد الحاج ولله الحمد وهو محرم في أرجاء عرفة فإنه قد أدى المطلوب والمشروع له، فيستريح في مكانه ويتفرغ لذكر الله وللدعاء.

 يصلى الحجاج في عرفة الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الظهر جمع تقديم؛ من أجل أن يتفرغوا للدعاء والعبادة، وعلى الحجاج أن يجتهدوا في الدعاء، ويدعو سواء كان راكبا أو واقفا على قدميه، أو جالسا أو مضطجعًا، يدعو الله على أي حال كان في وقت الدعاء، ويجتهد في الدعاء ويلح في الدعاء لعل الله سبحانه وتعالى أن يستجيب له، يدعو لنفسه، ويدعو لوالديه، ويدعو لإخوانه المسلمين الأحياء والأموات، ويكثر من الدعاء والتضرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء عرفة"، فهو خير الدعاء، فيجتهد المسلم في الدعاء في هذه الفترة: ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس إذا وقف في النهار، ويكثر من الدعاء ولا يغفل، ولا يشتغل بما لا فائدة فيه من مجاذبة الحديث والجدال وضياع الوقت، لا مانع من المحادثة لكن بمقدار، مقدار الحاجة، ومقدار ما لا يفوت على المسلم كثيرا من الوقت، بل يجعل غالب وقته للدعاء وذكر الله عز وجل في هذه الفترة المباركة، وصح في الحديث: أن الله جل وعلا يباهي الملائكة بأهل عرفة عشية عرفة فيقول: "انظروا إلى عبادي أتوني شُعثًا غُبرًا من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، انصرفوا مغفورا لكم ولمن شفعتم له". وهذا فضل من الله، ويدل على فضل هذا اليوم، وفضل هذه الساعة المباركة، وفيها ينزل الله جل وعلا إلى سماء الدنيا يباهي ملائكته بالحجاج الذين وجدوا في هذا المكان؛ طاعة لله، ورجاء لثوابه، وخوفا من عقابه، فهذا فضل عظيم، ومظهر من المظاهر العظيمة، جاؤوا لا يسوقهم طمع في دنيا، ولا يسوقهم سلطان وإنما يسوقهم الإيمان، جاؤوا برغبة عظيمة، تتجه أفئدتهم وقلوبهم إلى هذه الأمكنة، لا من أجل طمع دنيوي، ولا خوفا من مخلوق، وإنما جاؤوا خوفا من الخالق سبحانه وتعالى، ورجاء لثوابه، وطمعا في مغفرته.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

QR code for this page URL عنوان الصفحة