تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شرح عمدة الفقه لابن قدمة 20-05-1437هـ


قَالَ المُؤلف رَحِمَهُ اللهُ تَعالى :
وَمَنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يُقِرُّ بِحَقٍّ وَإِنْ لَمْ يَقَلْ للِشَّاهِدِ اشْهَدْ عَلَيِّ .وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعَرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، كَالشَّهَادةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ .
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَدٍّ ، وَلَا قِصَاصٍ .
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَغَيْرِهِ، بَعْدَ تَوْبَتِهِ .
________________________________
( بَابُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ )
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا أَخْرَسَ، وَلَا كَافِر، وَلَا فَاسِقٍ، وَلَا مَجْهُولِ الْحَالِ، وَلَا جَارٍّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا دَفِعٍ عَنْهَا شَرًا .
وَلَا شَهَادَةُ وَالِدٍ وَإِنْ عَلَا لِوَلَدِهِ وَلَا  وَلَدٍ لِوَلِدِهِ، وَلَا سَيِّدٍ لَعَبْدِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ، وَلَا شَهَادَتُهُمَا لَهُ ، وَلَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ .
وَلَا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ، وَلَا الْوَكِيلِ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، وَلَا الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ ، وَلا مَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ، كَالْسُّخَرَةِ وَكَاشِفِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاظِرينَ فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ . وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَتَّهَمُ فِي بَعْضِهَا، رُدَّتْ كُلُّهَا .
 وَلَا يُسْمَعُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّرْجَمَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ .
وَإِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، قُدِّمَ الْجَرْحُ .
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ ، وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ، قُضِيَ لَهُ بِأَلْفٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ عَلَى الأَلْفِ الآخَرِ إِنْ أَحَبَّ. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ وَقَالَ الآخَرُ : مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ .
وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزَّنَى، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى فِعْلٍ سِوَاهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ،أَوْ الزَّمَانِ أَوِ الصِّفَةِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ .
___________________________________
(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا)
وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، إِذَا تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الأَصْلِ؛ بِمْتٍ أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الأَصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي، أَوْ أَشْهَدَنِي بِكَذَا .
وَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ فِي شُهُودِ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ .
وَمَتَى لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأَصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ .
وَإِنْ حَدَثَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا .
___________________________________
( فَصْلٌ فِي الرُّجُوعِ بِالشَّهَادَةِ )
وَمَتَى غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ ، قُبِلَتْ . ( وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا بَعْدَ أَدَائِهَا ، رُدَّتْ) وَإِنْ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ .
وَإنْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ ، لَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ ، وَلَمْ يُمْنَعِ الِاسْتِيفَاءُ ، إلَّا فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ ، وَعَلَيْهِمْ غَرَامَةُ مَا فَاتَ بِشَهَادَتِهِمْ بِمِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا .
وَيَكُونُ ذَلِكَ بِيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، فَإنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ . وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ قَتْلًا، أَوْ جَرْحًا، فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ . وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، غَرِمُوا الدِّيَةَ ، أَوْ أَرْشَ الْجُرْحِ .
________________________________
( بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوِي )
الْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحُقُوقِ ، هِيَ الْيَمِينُ بِاللهِ – تَعَالَى- سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا .
وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي الأَمْوَالِ وَأَشْبَاهِهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .
وِالأَيْمَانُ كُلُّهَا عَلَى الْبَتِّ، إِلَّا الْيَمِينَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ .  
وَإِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ، أَوِ الْمُفْلِسِ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَحَلَفَ الْمُفْلِسُ، أَوْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مَعَهُ ثَبَتَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، فَبَذَلَ الْغُرَمَاءُ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفُوا .
وَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى لِجَمَاعَةٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينٌ .
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَحْلِفُ يَمِينًا وَحِدَةً لِجَمِيعِهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَوْا .
 وَإِنِ ادَّعى واَحِدٌ حُقُوقًا عَلَى وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ يَمِينٌ .
وَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ لآدَمِيٍّ ، وَلَا تُشْرَعُ فِي حُقُوقِ اللهِ مِنَ الْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ .
__________________________
( بَابُ الإِقْرَارِ )ِ
وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَلَّفُ، الرَّ شِيدُ، الْحُرُّ، الصَّحِيحُ، الْمُخْتَارُ بِحَقٍّ أُخِذَ بِهِ .
وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا، أوْ صِغَارًا أَوْ مُؤَجَلَةً – لَزِمَتْهُ جِيَادًا، وَافِيَةً، حَالَّةً، وَإِنْ وَصَفَها بِذَلِكَ مُتِّصِلًا بِإِقْرَارِهِ ، لَزِمَتْهُ كَذَلِكَ .
وَإِنْ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ أقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ مُتَصِلًا بِهِ ، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ .وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسُكُوتٍ يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ ، أَوِ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، لَزِمَهُ كُلُّهُ.
وَمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةٌ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .
( وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي ثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةٌ ، قُبِلَ قَوْلُهُ ) .
وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا .
وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ .
____________________________
( فَصْلٌ فِي مَنْ يَصِحُّ إِقْرَارِهِ وَمَنْ لَا يَصَّح )
وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِشَيْءٍ ، إِلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ مِنَ الصَّبْيَان فِي التَّصَرُّفِ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ السَّفِيهُ بِحَدًّ، أِوْ قِصَاصٍ، أِوْ طَلَاقٍ، أُخِذَ بِهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُ وَ كَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ .
وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ لأَجْنَبِيٍّ ، وَلَا يَصِحُّ  إِقْرَارُهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوَارِثٍ ، إلَّا بِتَصْدِيقِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ .
وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، فَصَارَ غَيْرَ وَاِرِثٍ، لَمْ يَصِحَّ .
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا ، صَحَّ إِقْرَاُرُهُ .
وَيَصِحُّ إِقْرارُهُ بِوَارِثٍ .
وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، لَمْ يَلْزَمِ الْوَرَثَةَ وَفَاؤُه، إِلَّا أَنْ يُخَلَّفَ تَرِكَةً، فَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِهَا، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَأَخْذَ تَرِكَتِهِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ .
وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلَى مُوَرِّثِهِمْ، ثَبَتَ بِإقْرَارِهِمْ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ ثَبَتَ بِقَدْرِ حَقِّهِ .
فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أحَدُهُمَا بِمَائَةٍ دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ لَزِمَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَشَهِدَ بِهَا ، فَلِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَأْخُذَ بَاقِيَهَا مِنْ أَخِيهِ .
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَمِائَةً فَادَّعَى رَجُلٌ مِائَةً عَلى أَبِيهِ ، فَصَدَّقَهُ ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَالْمِائَةُ بَيْنَهُمَا ، وَأَنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ للأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي .
وَإنْ كَانَ الأَوَّلُ ادَّعَاهَا وَدِيعَةً، فَصَدَّقَهُ الِابْنُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ الِابْنُ فَهِيَ لِلأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي، وَيَغْرَمُهَا لَهُ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ .
آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين .

QR code for this page URL عنوان الصفحة