تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شرح بعض فوائد سورة الفاتحة 18-02-1437هـ


المتن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصَلىَّ اللهُ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
قال المُصْنِفُ - رَحِمْهُ اللهُ تَعَالَى- فِيِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فِيْهَا الرَدُّ عَلَى المُبَتَدِعِين .
الشرح: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصَحَابِهِ وَأتَبَاعِهِ إلَى يومِ الدِّينِ .
قولهُ - تَعَالَى - ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)؛ (اهْدِنَا) إي دُلّنا وأرشدنا وثبتنا؛ فإن الهداية على نوعين:
هداية دلالة
وهداية توفيق واتباع
أما الأولى: فهى عامة لجميع الخلق، والله قد هدى الخلق، بمعنى دلَّهم على الحق وأرشدهم إليه، فمنهم من قَبِلَ ومنهم من ردَّ ورفض، لكن اللهُ هداه الهداية العامة، وبيَّن له كما قال اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ- ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)، (فَهَدَيْنَاهُمْ) يعني دليناهم على الطريق الصحيح، لكنهم لم يقبلوا، فهو دلَّهم دلالة البيان، ولكنهم بعدما بيَّن لهم لم يقبلوا! (فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى) وهو الكفرعلى الهدى .
وأمَّا دلالة التوفيق؛ فهذه لأهل الإيمان فإن الله دلَّهم وأرشدهم، وأيضًا ثبتهم على الحق ووفقهم له، ووفقهم لقبوله والعمل به .
والفاتحة تتضمن هذين النوعين: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) دلَّنا وارشدنا ووفقنا، هذا دعاء في حصول الهدايتين .
المتن: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فِيْها الرَدَّ عَلَى المُبَتَدِعِين .
الشرح: وقوله: (الْمُسْتَقِيمَ) إي المعتدل، بخلاف غيره من الطرق فهى طرقٌ ضالة ومنحرفة ليست معتدلة، قد بيَّن النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذلك عند قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) بيَّن ذلك بأن خط خطًا مستقيمًا معتدلًا وقال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، وخطَّ عن يمنته ويسرته على جانبيه خطوطًا أخرى وقال: « هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» كما في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )، فأنت في كل صلاة؛ بل في كل ركعة تدعو الله أن يهديك هذا الصراط وأن يدُلك عليه وأن يثبتُك عليه، ويوفقك لإتباعه في كل ركعة، لأنك بحاجةٍ إلى هذا.
المتن: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فِيْها الرَدَّ عَلَى المُبَتَدِعِين .
الشرح: لأن المبتدعة على صراطٍ غير مستقيم، على سبلٌ منحرفةٌ، سنَّها لهم دعاة الضلال، فأتبعوهم والعياذ بالله.
المتن: وأمَّا الآيَتَان الأخْيرَتان ففيهما مِنْ الفوائد ذِكرُ أَحْوالِ النَّاس؛ قَسَّمهم اللهُ تَعَالى ثَلاثْة أصَّنَاف:
الشرح: وأمَّا الآيتان الباقيتان من سُّورة الفاتحة وهى قولُه تَعَالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، ذكر ثلاثة فرق:
المنْعمِ عليهم: وهم الذين عرفوا الحَقَّ فاتبعوه وعملوا به.
و(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): وهم اليهود؛ الذين عرفوا الحق يعني ما هو خاص باليهود، بل كل من عرف الحق ولم يعمل به، في مقدمتهم اليهود، ولذلك صار مغضوبًا عليهم، لأن من عرف الحق ولم يعمل به غضب اللهُ عليه . الثالثة: (وَلا الضَّالِّينَ)؛ وهم الذين يعملون على جهلٍ وضلال، هم يعملون ولكنهم يعملون على جهلٍ ما هم على صراطٍ مستقيم، وفي مقدمة هؤلاء النصارى، النصارى عندهم عبادة، وعندهم رهبانية ولكنهم على غير هدى وعلى غيرعلم وعلى غير بصيرة، (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) .
المتن: وأمَّا الآيَتَان الأخْيرَتان ففيهما مِنْ الفوائد ذِكرُ أَحْوالِ النَّاس؛ قَسَّمهُم اللهُ تَعَالى ثَلاثْة أصَّنَاف: مُنْعمٌ عَليْه، ومَغْضُوبٍ عَليْه، وضَّال .
فالمَغْضُوبْ عَلَيْهِم أَهْلُ عِلمٍ لَيسَّ مَعْهُم عَمْل، والضَالُون أَهْلُ عَبْادة لَيسَّ مَعْهَا عِلَمْ، وإنِّ كَانتْ سَببُ النُزُوْل فِيْ اليَهُودِ والنصارى فَهِى لكلِ مَنْ اتَصَّف بِذْلِك .
الشرح: الآية: ما هى بخاصة باليهود والنصارى؛ بل كل من عنده علمٍ ولم يعمل به، فهو داخلٌ في قولهِ:  (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، كل من عَلْمَ علمًا من علمِ الشريعة ولم يعمل به رغبةً عنه لا عجزًا، لا يريدهُ فإنه يُشاركُ اليهود وعليه الغضب من اللهِ -عَزَّ وَجَلّ-، وكل من عمل عملًا على غير دليلِ ومن غير برهان فهو مشابهٌ للنصارى، فأنهم يعبدون اللهَ على جهلٍ وضلال .
المتن: الثَالِثْ؛ مِنْ اتَصَّفْ بالعلمِ والعملِ وهُمْ المُنْعَم عَليْهِم، وفِيْهِا من الفوائد: التَّبَرؤ مِنْ الحَولِ والقوةِ، لأنَّه مُنْعَمٌ عَليْهِ
الشرح: فِيْهَا التَّبَرؤ مِنْ الحَولِ والقوةِ؛ لأن قولك: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، تلجأ إلى اللهِ أن يهديك؛ فكونك عرفت الحق وعملت به ليس هذا بحولك ولا قوتك، وإنما هو بتوفيق الله، توفيق اللهِ لك، وهدايته لك، فلتشكر الله على ذلك .
المتن: فِيْهَا التَّبَرؤ مِنْ الحَولِ والقوةِ، لأنَّه مُنْعَمٌ عَليْهِ.
الشرح: النِعْمةُ تستحقُ الشَّكر، لأنه منعمٌ عليه، والنِعْمةُ تستحقُ الشَّكر.
المتن: وكذلك فِيْهَا مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَى التَّمْام، ونَفَي النَّقَائِص عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
الشرح: في سورة الفاتحة وصف اللهِ بالتَّمام والكمال، وتنزيهه عن النقائص، لأنه الله والرَّحْمن الرَّحيم، مالكْ يومِ الدين، هذه صفات كمال وفي ضمنها تنزيه اللهِ عن النقائص والعيوب.
المتن: وفِيْهِا مَعْرِفَةُ الإنِسَّان رَبَّه، ومَعْرِفَةُ نَفسَّه،
الشرح: معرفة الإنسان ربَّهُ وأن اللهَ قادر على كلِ شئ، وأن بيده الخير، وهو على كل شئٍ قدير، ويعرف نفسهُ إنه عاجزٌ ضعيف، إذا لم يهدهِ الله ويوفقه الله فإنه هالكٌ .
المتن: وفِيْهِا مَعْرِفَةُ الإنِسَّان رَبَّه، ومَعْرِفَةُ نَفسَّه، فإنِّهُ إذا كَانْ هُنا رَبُّ فَلا بُدَ مِنْ مَرَبُوب، وإِذَا كَانْ هُنا رَاحمٌ فَلا بُدْ مِنْ مَرَحُوم، وإِذا كِانْ هُنا مَالكْ فَلَا بُد مِنْ مَمَلوكْ، وَإذَا كَانَ هُنا عَبْد فَلا بُد مِنْ مَعْبود،
الشرح: لأن كل اسم من أسماء اللهِ لهُ معنى، له معنى جليل، ما هى بأسماء مجردة من المعاني، بل هى أسماءٌ لها معاني عظيمة، كما قال اللهٌ -جَلَّ وَعَلاَ- (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، (الْحُسْنَى) ما صارت حُسنَى إلاَّ لأن لها معاني جليلة .
المتن: فإنِّهُ َإذا كَانْ هُنا رَبُّ فَلا بُدَ مِنْ مَرَبُوب، وإِذَا كَانْ هُنا رَاحمٌ فَلا بُدْ مِنْ مَرَحُوم، وإِذا كِانْ هُنا مَالكْ فَلَا بُد مِنْ مَمَلوكْ، وَإذَا كَانَ هُنا عَبْد فَلا بُد مِنْ مَعْبود، وإذا كَانْ هُنا هَادٍ فَلا بُد مِنْ مهديِ، وإذا كَانْ هنا مُنِعْمٌ فَلا بُد مِنْ مُنْعِمٌ عَليْه، وإِذا كَانْ هُنا مَغْضُوبْ عَليْه فلا بُد مِنْ غَاضبٍ، وإذا كَانْ هُنا ضَال فلا بُد مِنْ مُضِل.
الشرح: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بعدلهِ، (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بفضلهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- .
المتن: فهذه السُّورَة تَضْمَنت الأُلوهِية والرَّبُوبية،
الشرح:الألوهية: وهى عبادة الله - عَزَّ وَجَلّ-، والربوبية: وهو الاقرار بأن اللهَ هو المالكْ، وهو الرَّحْمن وهو الرَّحْيم، وهو الرَبَّ وهو اللهَ - جَلَّ وَعَلاَ- .
المتن: فهذه السُّورَة تَضْمَنت الأُلوهِية والرَّبُوبية، ونَفَي النَّقَائِصْ عَنْ اللهِ -عَزَّ وَجَلّ-
الشرح: لأن الربَّ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) هذا يقتضي الكمال لله، وتنزيهه عن النقص، (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، كل هذه أوصاف كمال، تقتضي المدح والثناء وتنفي النقص والعيوب عن الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- .
 المتن: وَتَضْمَنتْ مَعْرِفَةُ العِبْادَة وَأَرْكَانِها.
الشرح: العبادة: ما معناها؟ العبادة: هى فعل ما أمر اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ- وترك ما نهى اللهُ عنه، طاعةً للهِ ورّسُولهِ ومحبةً للهِ ورَسُولهِ، رجاء ثوابه وخوف عقابهِ، هذه هى العبادة، وهى التذلل والخضوع لله -عَزَّ وَجَلّ-
المتن: وَتَضْمَنتْ مَعْرِفَةُ العِبْادَة وَأَرْكَانِها، واللهُ أعْلَم .
الشرح: أركان العبادة: العبادة لها أركان، وأركانها والله أعلم أنواع العبادة الكثيرة، العبادة أنواعٌ كثيرةٌ، يجمعها كما قال شيخ الإسلام - رحمه الله-: "العبادة اسم جامع لما يحبهُ اللهُ ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة"، فالعبادة أنواعٌ كثيرةٌ؛ عبادةٌ على الجوارح والأعضاء، وعبادةٌ على اللسان وذلك بذكر اللهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وعبادةٌ بالقلب وهى التفكر والتدبر وخشيةُ اللهَ ومحبته وطاعته؛ هذه عبادةٌ قلبية .
المتن: واللهُ أعْلَم .
الشرح: والله أعلم؛ انتهى الكلام على مايُستفاد من سورة الفاتحة؛ السورة العظيمة، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

QR code for this page URL عنوان الصفحة