تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تربية الأولاد



الحمد لله رب العالمين أمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من قالها عالما بمعناها عاملا بمقتضاها فتحت له أبواب الجنان وأشهد أن محمد عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثير

أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى

قال الله جل وعلا: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، والبر هو كل خير للفرد والمجتمع والإثم هو كل شر للفرد وللمجتمع، ولما كان الإنسان عاجزا عن القيام بالبر واجتناب الإثم وحده أمر الله بالتعاون بين المسلمين لأن التعاون على الخير يحصل به الخير للجميع، والتعاون على الإثم يحصل به الشر للجميع، والمسلمون كما شبههم النبي صلى الله عليه وسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وهم كالبنيان يشد بعضه بعض فلا بد من التعاون بين المسلمين عموما بين ولاة أمورهم ورعيتهم، وبين الأسر لأن المجتمع يتكون من الأسر فلا بد من تعاون الأسر أفراد الأسر فيما بينهم في البيوت على صلاحهم، ودرء الشر عنهم، وهذا يتمثل في أن الرجل إذا أراد أن يختار له امرأة يختار له زوجة فإنه يختار المرأة الصالحة التي تعينه على إصلاح الذرية وإصلاح البيت، قال صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لأربع لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك ، اختر ذات الدين ولا تنظر إلى بقية الأمور وحدها أما إذا اجتمع مع الدين شيء من هذه الأمور فخير إلى خير، لكن لا تنظر في المرأة إلا إلى دينها قبل كل شيء، لأنها شريكتك في تربية الأسرة فإذا كانت صالحة أصلح الله بها أسرتك وأعانتك على إصلاحها، يقول الشاعر

والأم مدرسة إذا أعددتها                  أعددت شعبا طيبا الأعراق

فعلى من يريد أن يتزوج أن يختار المرأة الصالحة، (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)، ذلك عند تكوين أساس الأسرة بين الزوج والزوجة، ثم إذا قدر الله حصول ذرية فإن الأبوين مكلفان بتربية هذه الذرية من صغرها وتعاهدها بالصلاح والاستقامة فالبيت مدرسة لهم والأبوان معلمان ومتحملان لأمانة فالرجل راع على أهل بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، وهناك أمور مشتركة بين الأبوين يتعاونان عليها وهناك أمور خاصة لكل منهما فالأبناء على الأب خاصة أن يربيهم على الخير والبنات على الأم خاصة أن تربيهن على الخير فالأب يتعاهد أبناءه من الصغر يأمرهم بالصلاة حين يبلغون سن التمييز قال صلى الله عليه وسلم: مروا أولادكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ، هذه ثلاثة أوامر من الرسول صلى الله عليه وسلم نحو الأولاد أن يؤمروا بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، وإذا بلغوا العشر وتكاسلوا عنها يضربون حتى يتأدبوا ويحافظوا عليها، والثالث يفرق بينهم بالفرش فلا يتركون ينام بعضهم إلى جانب بعض خشية من الفتنة، ولئلا ينشؤوا على التساهل في الأعراض، والأم مكلفة ببناتها من ناحية دينهن ومن ناحية سترهن ولباسهن ومن ناحية شعورهن، فهي تربيهن على الشريعة وعلى الدين ولا تتركهن يذهبن مع البنات السائبات المسيبات على الأم مسؤولية عظيمة نحو بناتها وعلى الأب مسؤولية عظيمة نحو أبناءه، أيكم لو سألتكم بالله أيكم يهتم بأولاده فيخرج به إلى المسجد في كل صلاة من الصلوات الخمس يأخذ بأيديهم إلى جنبه يصلون معه ويتعلمون الصلاة أيكم يجلس مع أولاده كل يوم يسألهم ماذا تعلموا كم حفظوا من القرآن ما يحفظون من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا أظن إلا القليل منكم يقوم بذلك وكذلك المرأة لا تهتم ببناتها إلا ما شاء الله، والأب والأم يتركون الأولاد الصغار للمربين والمربيات وإلى دور الحضانة ويخرجون لأعمالهم ووظائفهم تاركين للأمانة التي حملهم الله إياها والمربون والمربيات ودور الحضانة لا تهتم بهم لأنهم أجراء لا يهتمون بدينهم وأخلاقهم هذه مسؤولية الأبوين فاتقوا الله في أولادكم ربوهم على الخير حتى إذا احتجتم في آخر العمر إلى خدمتهم يقومون برد الجميل، (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، إذا كان الأبوان لم يربيا أولادهما وهم صغار فكيف يطلبون منهم البر إذا كبروا واحتاجوا إلى ذلك فاتقوا الله عباد الله وتحملوا مسؤوليتكم نحو أبناءكم والفتن اليوم كما تعلمون تتخطف الأولاد في الشوارع في التجمعات في كل مكان، فمنهم من يتخطفهم يروج فيهم الخمور والمسكرات والمخدرات ومنهم من يتخطفهم ليفسد أعراضهم ومنهم من يتخطفهم ليفسد دينهم ويزرع فيهم الإلحاد والخروج من الدين فهم بين هذه التيارات إذا أهملوا ذهبوا معها وإذا تعاهدهم أبوهم وأبوهم بالذات لأنه هو القوي إذا راعاهم وحافظ عليهم وجنبهم هذه المخاطر فإن الله سبحانه وتعالى يعينه ويسدده أما إذا أهمل فإنه ضيع أمانته التي حملها الله إياها سيقول بعضكم الصلاح بيد الله، نقول نعم الصلاح بيد الله (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، ولكن أنت عليك السبب والصلاح بيد الله فعل السبب الذي حملك الله به أمرك به فهل بذلته هل قمت به أو تريد صلاحا بدون سبب لا يكون هذا الأمور مربوطة بأسبابها مع توفيق الله سبحانه وتعالى، فإذا أهملت وضيعت ولم تقم بالسبب فإنك مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن أمانتك وسيحاسبك ولدك يوم القيامة بأنك ضيعته صغيرا ولم تتحمل مسؤوليته فاتقوا الله عباد الله حافظوا على أولادكم في البيوت حافظوا عليهم في الأسواق حافظوا عليهم في التجمعات لا تهملوهم فينشؤون على ما اعتادوه

وينشئ ناشئ الفتيان منا                   على ما كان عوده أبوه

فاتقوا الله عباد الله، الأولاد ما داموا صغارا فهم على الفطرة كل مولود يولد على الفطرة والفطرة هي الدين دين الإسلام، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، الفطرة إذا حوفظ عليها فإنها تنموا على الخير وتثمر الخير، أما إذا أهملت أو غيرت انحرفت، قال صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، فالأصل أن المولود مسلم لكن أبوه اليهودي يربيه على اليهودية فيحرفه، أبوه النصراني يربيه على النصرانية فيحرفه عن الإسلام، أبوه المجوسي يربيه على المجوسية فيحرفه عن الإسلام، ولم يقل صلى الله عليه وسلم أو يسلمانه لأنه على الإسلام في الأصل لكن يحتاج إلى محافظة على هذه الفطرة السليمة فحافظ عليه وعلى فطرته قبل أن تفسد وتتغير، فاتقوا الله عباد الله في أولادكم فإن المجتمع ينشأ من الأسر والأسر ما تصلح إلا بالقيام عليها بالتربية والإصلاح وفعل الأسباب، فإذا فعلتم الأسباب يسر الله سبحانه وتعالى وأعانكم لكن إذا أهملتم ضيعتموهم فلا تلوموا إلا أنفسكم اتقوا الله عباد الله فأعلموا أن الأولاد مسؤولية عظيمة في أعناق آبائهم وما يحصل لهم من صلاح فإن أجره يكون لآبائهم، (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، وما يحصل منهم من فساد فإن إثمه أو أعظم إثمه على والديهم، لأنهم لم يربوهم على الخير، ظهرت الآن ظاهرة تريد أن تفكك الأسر، وأن تنزع سلطة الوالدين على الأولاد وتنزع سلطة الزوج على زوجته، ويدعون الحرية وألا يتعرض أحد لأحد كل يتجه إلى ما يريد هذه الظاهرة ينادى بها الآن ويسمون الذي يقوم على أولاده أو على زوجته بما أوجب الله عليه يسمون هذا بالعنف الأسري، فاتقوا الله عباد الله وتنبهوا لأولادكم فأنتم المسؤولون عنهم أمام الله سبحانه يوم القيامة، وسيحاسبونكم عن إهمالكم وتضييعكم لهم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ* فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ* مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ* وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ* يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ* وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولي جميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنهُ هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكرهُ على توفيقهِ وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابهِ وسلم تسليماً كثيرا،  أما بعد:

أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى واعلموا أنه كل ما عظم الخطر فإنه يشتد الحذر، فاحذروا رحمكم الله من الأخطار المحدقة بالمسلمين، احذروا من هذه الأخطار المحدقة بالمسلمين، وأشدها إفساد الذراري وإفساد البيوت، بيوت المسلمين، أما بيوت الكفار فهي فاسدة من الأصل، لكن هم يحرصون على إفساد المسلمين، ليكون مثلهم، (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، يحسدونكم على ما أنتم عليه من الخير فيريدون إفساد دينكم، فاتقوا الله عباد الله واحذروا، احذروا عدوكم وتحاذروا فيما بينكم وتعاونوا على البر والتقوى، كما أمركم الله.

واعلموا أنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهديَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةِ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مستقرا وسائر بلاد المسلمين عامةً يا ربَّ العالمين، اللَّهُمَّ ادفع عنا الغلا والوباء والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم احفظ هذه البلاد، اللهم احفظ هذه البلاد، اللهم احفظ هذه البلاد آمنة مستقرة، احفظ علينا أمننا وايماننا واستقرارنا في أوطاننا، وآمنا في دورنا وأصلح سلطاننا وول علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا، واكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان اللهم كف عنا بأس الذين كفروا، فأنت أشد بأسا وأشد تنكيلا.

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا الله يذكركم، واشكُروه على نعمه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.